أحمد أمين

99

كتاب الأخلاق

منشأ العالم وفي الأجرام السماوية ، وكان يعد هذا قليل الفائدة ، ويرى أن الواجب أن يوجه النظر إلى ما ينبني عليه في الحياة عمل ، ولذلك قيل : « إنه استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض » . ويعد سقراط مؤسس علم الأخلاق لأنه أول من حاول - بجد - أن يبني معاملات الناس على أساس علمي ، وكان يرى أن الأخلاق والمعاملات لا تكون صحيحة إلا إذا أسست على العلم حتى كان يذهب إلى أن « الفضيلة هي العلم » « 1 » . ولم يعرف سقراط رأيه في الغاية الأخلاقية ، وبعبارة أخرى في المقياس الذي تقاس به الأعمال فيحكم عليها بأنها خير أو شر ، حتى لقد قامت فرق متباينة مختلفة الرأي في الغاية ، وكلها تنتسب إلى سقراط وتتخذه زعيمها . وعلى أثر سقراط ظهرت المذاهب الأخلاقية وتنوعت وظلت متنوعة إلى يومنا هذا ، وأهم الفرق التي ظهرت بعده الكلبيون ) scinyC ( والقورينائيون ) scineryC ( وكلهم من أتباع سقراط . أما الكلبيون ، فمؤسس مذهبهم أنتسثنيس ، عاش من ( 444 - 370 ق . م ) ، ومن تعاليمهم أن الآلهة منزهة عن الاحتياج ، وخير الناس من تخلق بأخلاق الآلهة ، فقلل من حاجاته جهد الطاقة ، وقنع بالقليل وتحمل الآلام واستهان بها واحتقر الغنى وزهد في اللذائذ ، ولم يعبثوا بالفقر وسوء رأي الناس فيهم متى كانوا مستمسكين بالفضيلة ، ومن أشهر رجال هذا المذهب ديوجانيس الكلبي ، مات سنة 323 ق . م ، وقد كان يعلم أصحابه أن يطرحوا التكلف الذي اقتضاه اصطلاح الناس وأوضاعهم ، وكان يلبس الخشن من الثياب ويأكل رديء الطعام وينام على الأرض . أما القورينائيون فزعيمهم أرسطبس ، ولد في قورينا ( مدينة من مدن برقة في شمال إفريقية ) ، وكانوا على عكس الكلبيين يرون أن طلب اللذة والفرار من الألم هما الغاية الصحيحة الوحيدة للحياة ، وأن العمل يسمى فضيلة إذا كان ينشأ عنه لذة أكبر مما ينشأ عنه من الألم .

--> ( 1 ) انظر شرح هذه الجملة عند الكلام على الفضيلة .